الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

447

تفسير روح البيان

لقاءه ويقال إذا أراد اللّه ان ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره بعيوب نفسه فمن اعطى ذلك فقد أعطى خير الدنيا والآخرة كما أنه فرق بين مطيع وفاسق فكذا فرق بين مطيع ومطيع وللتفاضل في الإطاعة والنيات تتفاضل المقامات والدرجات ولذا يرى بعض أهل الجنة البعض كما يرى في الدنيا الكوكب الدري وعن عبيد بن خالد رضى اللّه عنه ان النبي آخى بين رجلين فقتل أحدهما في سبيل اللّه ثم مات الآخر بعده بجمعة أو نحوها فصلوا عليه فقال عليه السلام ما قلتم قالوا دعونا اللّه ان يعفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه فقال النبي عليه السلام فأين صلاته بعد صلاته وعمله بعد عمله أو قال صيامه بعد صيامه لما ان بينهما أبعد مما بين السماء والأرض وقد ورد في بعض الأخبار ان الموتى يتأسفون على انقطاع الأعمال عنهم حتى يتحسرون على رد السلام وثوابه فليحذر العاقل من حسرة السباق وفجيعة الفراق اما حسرة السباق فإنهم إذا قاموا من قبورهم وركب الأبرار نجائب الأنوار وقدمت بين أيديهم نجائب المقربين بقي المسبوق في جملة المحرومين واما فجيعة الفراق فإنه إذا جمع اللّه الخلق في مقام واحد امر ملكا ينادى أيها الناس امتازوا فان المتقين قد فازوا كما قال وامتازوا اليوم أيها المجرمون فيمتاز الولد من والديه والزوج من زوجته والحبيب من حبيبه فهذا يحمل مبجلا إلى رياض النعيم وهذا يساق مسلسلا إلى عذاب الجحيم قال بعض الأخيار رأيت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي قدس سره في النوم بعد وفاته وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج فقلت له ما هذا البياض فقال شرف الطاعة قلت والناج قال عز العلم وعن أبي بكر الوراق قدس سره طلبنا أربعة فوجدناها في أربعة وجدنا رضى اللّه في طاعة اللّه تعالى وسعة المعاش في صلاة الضحى وسلامة الدين في حفظ اللسان ونور القلب في صلاة الليل فعليك بالتدارك قبل فوت الوقت فان الوقت سيف قاطع ( قال الشيخ سعدى ) سر از جيب غفلت برآور كنون * كه فردا نمانى بخجلت نكون قيامت كه نيكان بأعلى رسند * ز قعر ثرى بر ثريا رسند ترا خود بماند سر از ننك پيش * كه كردت برآيد عملهاى خويش برادر ز كار بدان شرم دار * كه در روى نيكان شوى شرمسار وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ اى بسبب الحق ولأجل ظهوره وحقيقته بالأمر الايجادي والتجلي الحيي الاحدى فما من ذرة من ذرات العالم الا واللّه سبحانه متجل فيها بأسمائه وصفاته لكنه لا يشاهده الا أهل الشهود وبظهور هذا الحق والوجود زهق الباطل والعدم وعليه يدور سر قوله تعالى ثم استوى على العرش فان اللّه متعال عن الاستواء بنفسه كما يقول الظالمون وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ من خير وشر عطف على بالحق لان فيه معنى التعليل لان الباء للسببيه وبيانه ان الحكمة في خلق العالم هو الجزاء إذ لو لم يكن الجزاء كما يقول الكافرون لاستوى المطيع والعاصي فالجزاء مترتب على الطاعة والعصيان وهما موقوفان على وجود العالم إذ التكليف لا يحصل الا في هذه الدار وقد سبق في سورة الدخان عند قوله تعالى وما خلقنا السماوات الآية وَهُمْ اى النفوس المدلول عليها بكل نفس لا يُظْلَمُونَ بنقص ثواب المحسن وزيادة عقاب